الشيخ سالم الصفار البغدادي

408

نقد منهج التفسير والمفسرين المقارن

ثانيا : ان الغلط في الحواس لا يقل عددا عن الخطأ والغلط في العقليات . ثالثا : ان التجربة - وهي تكرار الحس - ليست لوحدها آلة للتمييز بين الخطأ والصواب . بل هي إحدى المقدمات من قياس يحتج به على المطلوب إلى جانب مقدمات عقلية غير حسية ولا تجريبية . رابعا : على افتراض أن جمع العلوم الحسية مؤيدة بالتجربة في باب العمل لكن نفس التجربة لم يثبت بتجربة أخرى ، وهكذا إلى ما لا نهاية ، بل العلم بصحته عن طريق غير طريق الحس ، فالاعتماد والتجربة اعتماد على العلم العقلي وجوبا . خامسا : ان الحس لا يباشر ولا يتعامل إلا مع أعداد محدودة من الجزئيات وتكرار المشاهدة لصيانة القانون العام الذي تندرج تحته عموم هذه الجزئيات غير كاف إلا بنظر عقلي ، فلو جربنا عددا معينا من المعادن وتبين لنا أنها تتمدد بالتسخين ، فمن تكرار هذه المشاهدات المتعددة الجزئية يمكن الحكم عقليا بأن جميع المعادن تتمدد بالتسخين ، وهذا الحكم الذي استخلصناه من المشاهدات الجزئية هو حكم عقلي ، وعليه فلو اقتصرنا في الاعتماد والتعويل على ما يستفاد من الحس والتجربة فحسب من غير ركون إلى العقليات لم يتم لنا إدراك كلي ولا فكر نظري ولا بحث علمي « 1 » ؟ ! بينما تجد في المقابل أن الفخر الرازي في تفسيره الكبير ، قد بالغ وأفرط بل وانتصر للفلسفة في مواضع كثيرة ، مستعرضا بغروره مسائل ومباحث تافهة قد تخرج عن مجال بل وشرف التفسير ، الأمر الذي أغرى الكثير من أن يظنون إن تفسيره يمثل القمة في العقليات وقد مرّ عليك كيف أن تابعيه من العلماء قالوا فيه : كل شيء فيه إلا التفسير ؟ !

--> ( 1 ) التفسير الكبير 2 / 105 - 106 الآية ( 20 ) من سورة البقرة .